محمد متولي الشعراوي

770

تفسير الشعراوي

ويقول الحق : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » والطوق هو القدرة ، فيطيقونه أي يدخل في قدرتهم وفي قولهم ، والفدية هي إطعام مسكين . ويتساءل الإنسان : كيف يطيق الإنسان الصوم ثم يؤذن له بالفطر مقابل فدية هي إطعام مسكين ؟ وأقول : إن هذه الآية دلت على أن فريضة الصوم قد جاءت بتدرج ، كما تدرج الحق في قضية الميراث ، فجعل الأمر بالوصية ، وبعد ذلك نقلها إلى الثابت بالتوريث ؛ كذلك أراد اللّه أن يخرج أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من دائرة أنهم لا يصومون إلى أن يصوموا صياما يخيّرهم فيه لأنهم كانوا لا يصومون ثم جاء الأمر بعد ذلك بصيام لا خيار فيه ، فكأن الصوم قد فرض أولا باختيار ، وبعد أن اعتاد المسلمون وألفوا الصوم جاء القول الحق : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » وفي هذه الآية لم يذكر الحق الفدية أو غيرها . إذن كانت فرضية الصوم أولا اختيارية بقوله الحق : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » ، ثم جاء القرار الارتقائى ، فصار الصوم فريضة محددة المدة وهي شهر رمضان « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » وبذلك انتهت مسألة الفدية بالنسبة لمن يطيق الصوم ، أما الذي لا يطيق أصلا بأن يكون مريضا أو شيخا ، فإن قال الأطباء المسلمون : إن هذا مرض « لا يرجى شفاؤه » نقول له : أنت لن تصوم أياما أخر وعليك أن تفدى . لقد جاء تشريع الصوم تدريجيا ككثير من التشريعات التي تتعلق بنقل المكلفين من إلف العادات ، كالخمر مثلا والميسر والميراث ، وهذه أمور أراد اللّه أن يتدرج فيها . ويقول قائل : ما دام فرض الصيام كان اختياريا فلماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية « فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ » ؟ وأقول : عندما كان الصوم اختياريا كان لا بد أيضا من فتح باب الخير والاجتهاد فيه ، فمن صام وأطعم مسكينا فهذا أمر مقبول منه ، ومن صام وأطعم مسكينين ، فذاك أمر أكثر قبولا . ومن يدخل مع اللّه من غير حساب يؤتيه اللّه من غير حساب ، ومن يدخل على اللّه بحساب ، يعطيه الحق بحساب ، وقول الحق : « وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ » هو خطوة في الطريق لتأكيد فرضية الصيام ، وقد تأكد ذلك الفرض بقوله الحق : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » ولم يأت في هذه الآية بقوله : « وَأَنْ